أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
35
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدها : أن المرفوع يعود على الكفار ، والمجرور يعود على « الْقُرْآنُ » ، وهو أيضا الذي عاد عليه الضمير من « يَفْقَهُوهُ » ، والمشار إليه بقولهم : « إِنْ هذا » . والثاني : أن « هُمْ » يعود على من تقدم ذكرهم من الكفار ، وفي « عَنْهُ » يعود على « الرسول » ، وعلى هذا ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة ، فإنّ قوله جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ خطاب للرسول فخرج من هذا الخطاب إلى الغيبة . وقيل : يعود المرفوع على أبي طالب وأتباعه . وفي قوله : « يَنْهَوْنَ عَنْهُ ، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ » تجنيس التصريف ، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة عن الأخرى بحرف . ف « يَنْهَوْنَ » انفردت بالهاء ، و « يَنْأَوْنَ » بالهمزة ، ومثله قوله تعالى : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ « 1 » ، بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ . . . وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ « 2 » ، وقوله عليه السّلام : « الخيل معقود في نواصيها الخير » « 3 » . وبعضهم يسميه تجنيس التحريف ، وهو الفرق بين كلمتين بحرف . وأنشدوا : 1893 - إن لم أشنّ على ابن هند غارة * لنهاب مال أو ذهاب نفوس « 4 » وذكر غيره أن تجنيس التحريف ، هو : أن يكون الشكل فرقا بين الكلمتين ، وجعل منه « اللّهى تفتح اللّهى » ، وقد تقدم تحقيق ذلك . وقرأ الحسن : « وينون » بإلقاء حركة الهمزة على النون ، وحذفها ، وهو تخفيف قياسي . والنّأي : البعد ، قال : 1894 - إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكد * رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح « 5 » وقال الآخر : 1895 - ألا حبّذا هند وأرض بها هند * وهند أتى من دونها النّأي والبعد « 6 » عطف الشيء على نفسه للمغايرة اللفظية ، يقال : نأى زيد ، ينأى نائيا ، ويتعدى بالهمزة ، فيقال : أنأيته ، ولا يعدى بالتضعيف وكذا كل ما كان عينه همزة . ونقل الواحدي أنه يقال : نأيته ، بمعنى : نأيت عنه ، وأنشد المبرد : 1896 - أعاذل إن يصبح صداي بقفرة * بعيدا نآني زائري وقريبي « 7 » أي : نأى عنّي . وحكى الليث : نأيت الشيء ، أي : أبعدته ، وأنشد : 1897 - إذا ما التقينا سال من عبراتنا * شآبيب ينأى سيلها بالأصابع « 8 » فبناه للمفعول ، أي : ينحي ، ويبعد . والحاصل أن هذه المادة تدل على البعد ، ومنه : انتأى أي : افتعل النأي ، والمنأى : الموضع البعيد قال النابغة :
--> ( 1 ) سورة الكهف ، آية ( 104 ) . ( 2 ) سورة غافر ، آية ( 75 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري 2 / 34 ، ومسلم كتاب الزكاة باب ( 6 ) . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) البيت لذي الرمة انظر ديوانه ( 2 / 1192 ) ، ابن يعيش ( 7 / 124 ) . الأشموني ( 1 / 268 ) ، الخزانة ( 6 / 309 ) ، دلائل الإعجاز ( 182 ) ، لسان العرب ( رسس ) . الرسيس : الشيء الذي لزم من بقية هوى أو سقم في البدن . مية : اسم امرأة . ( 6 ) تقدم . ( 7 ) البيت للنمر بن تولب انظر الكامل ( 1 / 373 ) ، اللسان ( نأى ) روح المعاني ( 7 / 127 ) . ( 8 ) انظر البيت في التهذيب ( 15 / 542 ) ( نأى ) اللسان ( نأى ) .